IBRAHIMOGLU
يُعد الإعلام أحد أبرز أدوات تشكيل الرأي العام وتوجيه السلوك الاجتماعي والسياسي في أي مجتمع. في الشرق الأوسط، تُصنف غالبية الدراسات الأكاديمية أنظمة الإعلام ضمن ما يُعرف بنموذج الإعلام السلطوي (Authoritarian Media Model)، وهو أحد النماذج الأربعة الكلاسيكية التي وضعها فريد سيبرت وثيودور بيترسون وويلبور شرام في كتابهم الشهير “Four Theories of the Press” عام 1956. يقوم هذا النموذج على فكرة أساسية: الإعلام ليس مستقلاً، بل أداة تخدم السلطة الحاكمة، سواء كانت الدولة أو النخب السياسية أو الأيديولوجية المهيمنة.
في النموذج السلطوي، لا يُنظر إلى الإعلام كوسيلة لنقل المعلومات الحرة أو مناقشة الآراء المتنوعة، بل كأداة لتعزيز الاستقرار السياسي، حماية النظام، وتوجيه الجمهور نحو القيم والأهداف التي تراها السلطة مناسبة. تُمارس الدولة أو القوى السياسية تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر على ثلاثة محاور رئيسية:
1. ملكية وسائل الإعلام
في معظم دول الشرق الأوسط، تظل الملكية الحكومية أو الشبه حكومية هي السائدة، خاصة في القنوات التلفزيونية الأرضية والإذاعة. حتى في الحالات التي تبدو فيها الملكية خاصة، غالبًا ما تكون مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنخب الحاكمة أو رجال الأعمال المقربين من السلطة.
- في دول الخليج (مثل السعودية والإمارات)، تمتلك الدولة أو أفراد العائلة الحاكمة حصصًا كبيرة في مجموعات إعلامية عملاقة.
- في مصر، تسيطر جهات مقربة من السلطة على غالبية القنوات والصحف الكبرى عبر “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” وغيرها.
- حتى في لبنان — الذي يُعد استثناءً نسبيًا بسبب تعددية الملكيات — ترتبط معظم المحطات بطوائف أو قوى سياسية محددة، مما يجعلها امتدادًا للصراع السياسي.
هذه الملكية المركزية تحول دون ظهور إعلام مستقل حقيقي، وتجعل الوسائل الإعلامية أكثر عرضة للضغوط المباشرة.
2. السياسات التحريرية
تُفرض السياسات التحريرية من الأعلى، سواء عبر تعليمات مباشرة أو عبر آليات رقابة ذاتية داخلية (Self-censorship). يُمنع النقد الجوهري للقيادة السياسية، ويُشجع الخطاب الذي يمجد الإنجازات الحكومية أو يبرز “التهديدات الخارجية”.
في كثير من الحالات، تُدار غرف الأخبار بتعليمات يومية أو أسبوعية تحدد “الخطوط الحمراء”، مثل تجنب تغطية الفساد، الاحتجاجات، أو أي محتوى يُعتبر “مساسًا بالأمن القومي”. هذا النمط يُنتج إعلامًا أحادي الجانب، يُكرس الرواية الرسمية ويُقزم التنوع الرأي.
3. حدود الخطاب العام
تُشكل السلطة حدود ما يُسمح بقوله في الفضاء العام. يتم ذلك عبر:
- قوانين مكافحة “الإشاعات” و”الإساءة للدولة” أو “التحريض”.
- حجب مواقع ومنصات.
- ملاحقة الصحفيين والناشطين قضائيًا.
- استخدام تقنيات المراقبة الرقمية (من نماذج صينية وإسرائيلية غالبًا).
منذ “الربيع العربي”، تطورت هذه الحدود نحو ما يُسمى “الاستبداد الرقمي” (Digital Authoritarianism). أصبحت الأنظمة لا تكتفي بالرقابة التقليدية، بل تستخدم الذكاء الاصطناعي، الحملات المنظمة على وسائل التواصل، التضليل المنهجي، والتجسس الإلكتروني للسيطرة على الخطاب العام داخليًا وخارجيًا.
لماذا يستمر هذا النموذج؟
يعود استمرار نموذج الإعلام السلطوي في الشرق الأوسط إلى عوامل مترابطة:
- ضعف التقاليد الديمقراطية التاريخية.
- ارتباط الأمن القومي بالاستقرار السياسي.
- موارد مالية هائلة تتيح للدول شراء الولاء الإعلامي أو بناء أجهزة رقابة متطورة.
- غياب مجتمع مدني قوي قادر على خلق بدائل إعلامية مستقلة.
نحو أفق مختلف
رغم هيمنة النموذج السلطوي، شهدت المنطقة محاولات لكسر هذا النمط، سواء عبر الإعلام الرقمي المستقل، المنصات الاجتماعية، أو بعض التجارب المحدودة في دول مثل تونس بعد 2011. لكن هذه المحاولات تواجه تحديات هائلة: التمويل، الملاحقات القانونية، والمنافسة مع الآلة الإعلامية الرسمية المدعومة بميزانيات ضخمة.
في النهاية، يبقى السؤال المركزي: هل يمكن للإعلام أن يتحول من أداة طيعة للسلطة إلى فضاء عام يعكس تعددية المجتمع ويُساهم في المساءلة؟ الإجابة تعتمد — إلى حد كبير — على توازن القوى السياسية والاجتماعية داخل كل بلد، وعلى قدرة المجتمعات على إعادة صياغة علاقتها بالسلطة والمعلومة في عصر التحول الرقمي المتسارع.


















