IBRAHIMOGLU
أحدث الانتشار الهائل للمنصات الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما يشبه الزلزال الذي ضرب أسس المشهد الإعلامي التقليدي. فبعد عقود من هيمنة المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة الكبرى، جاءت الثورة الرقمية لتكسر هذا الاحتكار، وتمنح الصوت لمن لم يكن له صوت، وتفتح فضاءات جديدة للنقاش والتعبير. لقد أدت هذه الموجة إلى دمقرطة الوصول إلى المعلومة بشكل غير مسبوق، لكنها في الوقت نفسه، فتحت الباب على مصراعيه أمام تحديات معقدة تهدد جودة المحتوى ومصداقيته، بل واستدامة العمل الصحفي المهني نفسه.
1. كسر الاحتكار وبروز الفاعلين الجدد
كان أبرز تجليات التحول الرقمي هو تآكل دور “حارس البوابة” (Gatekeeper) الذي لعبته المؤسسات الإعلامية التقليدية لعقود. لم تعد الحكومات أو المؤسسات الكبرى قادرة على التحكم بشكل كامل في تدفق المعلومات.
- بروز الصحفي الفرد والمواطن الصحفي: أتاحت منصات مثل “إكس” (تويتر سابقًا)، “فيسبوك”، و”يوتيوب” للصحفيين المستقلين والنشطاء والمواطنين العاديين نشر الأخبار والتحليلات والشهادات الحية من قلب الأحداث. خلال موجة “الربيع العربي” وما تلاها من حراكات اجتماعية، كان هؤلاء الفاعلون الجدد مصدرًا رئيسيًا للمعلومات، متجاوزين التعتيم الإعلامي الرسمي.
- المؤسسات الإعلامية الرقمية الناشئة: ظهرت موجة من المنصات الإخبارية المستقلة التي وُلدت رقميًا (Digital-Native)، مثل “مدى مصر”، “الجمهورية.نت”، و”درج ميديا”. اعتمدت هذه المنصات على نماذج عمل مرنة وتكاليف تشغيل أقل، وركزت على الصحافة الاستقصائية والتحليلية العميقة لجمهور متخصص، مستفيدة من قدرتها على الوصول إلى القراء مباشرة عبر الإنترنت.
2. النمو الرقمي الهائل: أرقام تكشف حجم التحول
لفهم عمق هذا التغيير، لا بد من النظر إلى الأرقام التي ترسم ملامح الواقع الرقمي الجديد في المنطقة.
- انتشار واسع: وفقًا لتقارير حديثة، بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم 5.17 مليار شخص في يوليو 2024، أي ما يعادل 63.7% من سكان العالم. وفي منطقة الشرق الأوسط، يتجاوز معدل انتشار الإنترنت في بعض الدول 90%.
- وقت قياسي على الشاشات: لا يقتصر الأمر على عدد المستخدمين، بل على كثافة الاستخدام. يقضي المستخدم العادي في الشرق الأوسط حوالي 3.5 ساعة يوميًا على منصات التواصل الاجتماعي، وهو من أعلى المعدلات عالميًا. هذا يعني أن هذه المنصات أصبحت المصدر الرئيسي للأخبار والمعلومات لشريحة واسعة من المجتمع، خاصة فئة الشباب.
هذا النمو خلق جمهورًا رقميًا ضخمًا ومتفاعلًا، لكنه في الوقت نفسه حوّل الفضاء العام إلى ساحة شديدة التنافس، حيث لا تُقاس القيمة بالضرورة بالجودة، بل بالقدرة على جذب الانتباه.
3. هيمنة المحتوى السطحي: اقتصاد الانتباه وتحدي الجودة
في ظل هذا التنافس المحموم، تغيرت قواعد اللعبة. أصبحت خوارزميات المنصات الرقمية هي “رئيس التحرير” الفعلي، وهي مصممة لتفضيل المحتوى الذي يحقق أعلى قدر من التفاعل (الإعجابات، المشاركات، التعليقات) في أقصر وقت ممكن.
- صعود المحتوى السريع: أدى هذا إلى هيمنة المحتوى القصير والسريع والمثير بصريًا، مثل مقاطع “تيك توك” و”انستغرام ريلز”. أصبحت الأخبار تُقدَّم في قوالب سريعة، والتحليلات تُختزل في عناوين صادمة، مما أدى إلى تسطيح النقاش العام.
- التنافس على “الترند”: أصبح السباق نحو “الترند” هو الأولوية لدى الكثير من صناع المحتوى والمؤسسات الإعلامية على حد سواء. هذا السباق المحموم يدفع نحو التضحية بالدقة والعمق من أجل السرعة والانتشار، مما يضعف القيمة الخبرية الحقيقية.
- تراجع الصحافة الطويلة (Long-Form Journalism): في بيئة تفضل الاستهلاك السريع، أصبح من الصعب على الصحافة الاستقصائية والتحليلات المعمقة التي تتطلب وقتًا وجهدًا في الإنتاج والقراءة أن تجد لها مكانًا، خاصة خارج الدوائر النخبوية.
4. الأخبار الزائفة والقرصنة: وجهان لعملة الأزمة
لم يأتِ التحول الرقمي بالفرص فقط، بل حمل معه فيروسات تهدد جسد الإعلام بأكمله.
- وباء المعلومات المضللة: سهولة إنشاء المحتوى ونشره دون تدقيق حولت الفضاء الرقمي إلى بيئة خصبة لانتشار الأخبار الزائفة (Fake News) والمعلومات المضللة. تُستخدم هذه الظاهرة كأداة في الصراعات السياسية، وتؤدي إلى استقطاب حاد في المجتمع وتآكل الثقة ليس فقط في الإعلام، بل في المؤسسات كافة.
- القرصنة واستنزاف الموارد: على جبهة أخرى، تواجه المؤسسات الإعلامية تحديًا اقتصاديًا وجوديًا يتمثل في القرصنة. تشير دراسة لاتحاد إذاعات الدول العربية إلى أن أكثر من 60% من استهلاك محتوى الفيديو عبر الإنترنت في الشرق الأوسط يتم عبر منصات غير مصرح بها. هذا يعني أن المؤسسات التي تستثمر الملايين في إنتاج محتوى عالي الجودة (أفلام، مسلسلات، برامج) تُحرَم من إيرادات الإعلانات والاشتراكات، مما يضعف قدرتها على الاستمرار والاستثمار مجددًا.
نحو ميثاق رقمي جديد
إن التحول الرقمي في الشرق الأوسط ليس مجرد تطور تقني، بل هو إعادة تشكيل عميقة للسلطة والمعرفة والمجتمع. لقد منح الأفراد أدوات قوية للتعبير والمشاركة، لكنه وضع الصحافة المهنية أمام تحديات وجودية. الخروج من هذه المعضلة يتطلب جهدًا مشتركًا:
- على المؤسسات الإعلامية: الابتكار في نماذج العمل، والاستثمار في صحافة الجودة التي لا تستطيع الخوارزميات إنتاجها، وبناء علاقة ثقة مباشرة مع الجمهور.
- على المنصات الرقمية: تحمل مسؤوليتها الاجتماعية في مكافحة المعلومات المضللة وتصميم خوارزميات تكافئ المحتوى الموثوق والعميق.
- على الجمهور: تطوير مهارات التربية الإعلامية والرقمية للتمييز بين المحتوى الموثوق والزائف، ودعم الإعلام المستقل ماديًا ومعنويًا.
إن مستقبل الإعلام في المنطقة يعتمد على قدرتنا على تحويل فوضى المحتوى الرقمي إلى فضاء معرفي تعددي ومسؤول.


















