لا يحتاج الصحفي إلى استوديو احترافي أو فريق إنتاج كبير كي يحوّل خبرته إلى محتوى مرئي مؤثر. هذه هي الخلاصة التي وصلت إليها الصحفية العلمية ومقدمة البرامج ساناز صالح إبراهيمي، بعد تجربة بدأت بحساب صغير على إنستغرام لا يتجاوز 238 متابعًا، ثم تحولت بفضل مقطع صحفي واحد إلى جمهور يضم مئات الآلاف.
عملت إبراهيمي سنوات في القنوات التلفزيونية العامة والخاصة الكبرى في ألمانيا، وأنتجت أفلامًا وثائقية وقدمت برامج وحوارات. ومع ذلك، كانت تعتقد أنها تأخرت في دخول عالم المنصات الاجتماعية، وأن صناع المحتوى الذين بدأوا مبكرًا استحوذوا بالفعل على الجمهور.
في ربيع 2024 أطلقت قناتها المهنية الأولى، واختارت موضوعات الطبخ والتغذية والصحة، وهي مجالات سبق أن تناولتها بصفتها صحفية تلفزيونية. لكن نشر المقاطع لم يحقق نموًا ملحوظًا. بقي عدد المتابعين عند 238 لأسابيع، حتى بدأت تتعامل مع الفيديو القصير باعتباره منتجًا صحفيًا، لا مجرد حضور أمام الكاميرا.
عد إلى ما تجيده كصحفي
بدل تقليد مقاطع الطبخ الشائعة، عادت إبراهيمي إلى تحقيق وثائقي أنجزته عام 2017 عن تأثير صناعة الكحول في السياسة والعلوم بألمانيا. كان لديها بحث أصلي ووثائق ومصادر وخبرة متراكمة في الموضوع.
اختصرت التحقيق في فيديو مدته 90 ثانية لإنستغرام. بدأت المقطع بصورة غير متوقعة: جلست داخل حوض مملوء بالماء والكحول وهي تفتح زجاجة. جمعت بذلك بين مشهد يجذب الانتباه ومادة صحفية موثقة.
حقق الفيديو أكثر من 16 مليون مشاهدة، وأضاف إلى حسابها قرابة 250 ألف متابع. لم يكن النجاح نتيجة مشهد طريف وحده، بل لأن الصورة قادت المشاهد إلى تحقيق أصلي يحمل معلومات لا يجدها في المقاطع المعتادة.
الدرس هنا أن الصحفي لا يبدأ من الصفر. أرشيفه، ومصادره، وتخصصه، والأسئلة التي راكمها خلال عمله، كلها مواد أولية يمكن إعادة تقديمها بما يلائم الهاتف.

امنح المشاهد سببًا كي يتوقف
تستخدم إبراهيمي أسلوبًا سرديًا يقوم على تقديم المعلومة الجادة داخل مشهد بصري يثير الفضول. فبدل أن يبدأ الصحفي واقفًا أمام جدار وهو يلقي المقدمة، يمكنه تنفيذ فعل مرتبط بالقصة، أو حمل أداة، أو بناء نموذج يوضح الحجة.
في أحد مقاطعها استخدمت قطع تركيب لتمثيل مجموعة من الادعاءات. كتبت الأفكار على القطع ثم أسقطتها أثناء تفنيدها. لم تكن الحركة زينة بصرية، وإنما جزءًا من الشرح.
يمكن تطبيق ذلك بسؤال بسيط قبل التصوير: ما الصورة التي ستدفع المشاهد إلى التساؤل عما سيحدث بعد لحظات؟ ينبغي أن تكون الصورة صادقة ومرتبطة بالقصة، لا خدعة منفصلة عن مضمونها.
حوّل التخصص الدقيق إلى ميزة
قد يعتقد الصحفي أن موضوعه متخصص أكثر من اللازم، لكن تجربة إبراهيمي تقترح العكس. كلما امتلك الصحفي معرفة عميقة بمجال معين، استطاع شرح تفاصيله بحماس وثقة، والإجابة عن الأسئلة التي لا ينتبه إليها المنتج العام.
يمكن لمراسل متخصص في المناخ، أو البلديات، أو الرياضة المحلية، أو الصحة العامة أن يبني هوية رقمية واضحة. المطلوب هو تحديد القيمة التي لا يستطيع الآخرون تقديمها بالسهولة نفسها: وصول إلى المصادر، فهم للسياق، خبرة في التحقق أو قدرة على تفسير الوثائق والبيانات.
هذا التميز أهم من محاولة تغطية كل موضوع رائج.
This Is How You, Yes YOU, Can Finally Get Started With Social Media Video
لا تجعل الكمال يعطّل النشر
رغم خبرتها الطويلة أمام الكاميرا، واجهت إبراهيمي صعوبة في تسجيل مقاطعها الأولى لأنها أرادت تنفيذ كل جملة وحركة كما خططت لها. مع الوقت اكتشفت أن الجمهور يتفاعل مع لحظات التعثر والضحك والتصحيح، لأنها تكشف الشخصية الحقيقية خلف المادة.
لا يعني ذلك التساهل مع الدقة. يجب أن تبقى المعلومات محققة والصوت واضحًا والصورة مستقرة. أما الأخطاء الإنسانية الصغيرة فلا يلزم إخفاؤها دائمًا؛ وقد تتحول المقاطع غير المستخدمة إلى قصة قصيرة أو مادة مستقلة تقرّب الصحفي من الجمهور.
في زمن تتزايد فيه المقاطع الاصطناعية، تصبح العفوية المنضبطة علامة إضافية على الحضور الإنساني.
الهاتف يكفي للبداية
ما زالت إبراهيمي تسجل، وأحيانًا تحرر، الكثير من مقاطعها بالهاتف. وتنصح بالبدء بضوء النهار قرب نافذة أو باستخدام إضاءة دائرية بسيطة، والاهتمام بالصوت عبر اختيار مكان هادئ وإغلاق الأبواب وانتظار مرور السيارات أو الطائرات.
يمكن إنجاز التحرير بتطبيقات مجانية وسهلة الاستخدام. الأولوية ليست للمؤثرات الكثيرة، بل لإزالة التكرار، وتسريع الإيقاع، وإبراز الأدلة والعناصر التي تساعد المشاهد على الفهم.
خطة قابلة للتطبيق
ابدأ بموضوع تعرفه جيدًا، ثم استخرج منه سؤالًا واحدًا يصلح لفيديو لا يتجاوز 90 ثانية. اكتب افتتاحية تستغرق خمس ثوانٍ، واختر حركة أو صورة مرتبطة بالسؤال، ثم قدّم دليلين أو ثلاثة واختم بخلاصة واضحة.
انشر عدة محاولات متقاربة، وراقب موضع انسحاب المشاهدين، ومعدل إكمال الفيديو، والحفظ والمشاركة. لا تحكم على التجربة من أول مقطع، ولا تجعل عدد المشاهدات المعيار الوحيد؛ فالمتابع الذي يعود لأنه يثق بخبرتك أهم من مشاهدة عابرة.
الصحفيون يمتلكون بالفعل القصص والمصادر ومهارات التحقق. ما يحتاجونه هو ترجمة هذه القيمة إلى لغة بصرية تناسب الشاشة الصغيرة، قبل أن يملأ آخرون المساحة بمعلومات أقل موثوقية.
بيانات الإسناد
- الكاتبة الأصلية: ساناز صالح إبراهيمي، صحفية علمية ومقدمة برامج مقيمة في برلين وزميلة منتسبة إلى نيمان لعام 2026.
- المصدر: Nieman Reports.
- تاريخ النشر الأصلي: 18 يونيو/حزيران 2026.
- العنوان الأصلي: This Is How You, Yes YOU, Can Finally Get Started With Social Media Video
- رابط المقال الأصلي
- ترجمة وتحرير: شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – مينا.


















