فريق التحرير
أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايد الحضور في صناعة المحتوى الرقمي، إذ لم تعد أدوات مثل «ChatGPT» و«Midjourney» حكرًا على المتخصصين في التكنولوجيا، بل دخلت بصورة مباشرة إلى غرف التحرير، واستوديوهات الإنتاج، وحسابات المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي ظل هذا التحول، تبرز أسئلة مهنية وأخلاقية تتعلق بأسباب استخدام المؤثرين العرب لهذه التقنيات، ومدى تأثيرها في جودة المحتوى وأصالته، وما إذا كانت تُستخدم لتوسيع مساحة الإبداع أو لمجرد تسريع الإنتاج وخفض الجهد.
هذه الأسئلة تناولتها دراسة أكاديمية حديثة بعنوان: «استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الرقمي واتجاهات المؤثرين العرب نحوها: دراسة في ضوء نظرية الحتمية التكنولوجية»، أعدّها الدكتور عبدالله محمد عبدالله أطبيقة، أستاذ الإعلام المشارك بقسم الإعلام في كلية الآداب بجامعة سرت الليبية. ونُشرت الدراسة في يوليو/تموز 2026 في Journal of Intelligent Digital Media and Communication. الدراسة الأصلية
ماذا بحثت الدراسة؟
سعت الدراسة إلى التعرف على اتجاهات المؤثرين العرب نحو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الرقمي، والكشف عن مستوى معرفتهم بهذه الأدوات، وأبرز دوافع استخدامها، ومدى تصورهم لتأثيرها المستقبلي في صناعة المحتوى.
واعتمد الباحث المنهج الوصفي المسحي، مستخدمًا استبانة إلكترونية لجمع البيانات من عينة بلغت 87 مؤثرًا عربيًا من الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي.
ونظرًا إلى صعوبة حصر مجتمع المؤثرين العرب، استخدمت الدراسة عينة غير احتمالية بطريقة «كرة الثلج»، وهي طريقة تبدأ بعدد محدود من المشاركين، ثم يجري الوصول إلى مشاركين آخرين من خلال ترشيحاتهم وشبكات علاقاتهم.
وتوفر هذه المنهجية مؤشرات مهمة بشأن الظاهرة، لكنها تفرض قدرًا من الحذر عند تعميم النتائج على جميع المؤثرين العرب، بسبب محدودية حجم العينة وطريقة اختيارها.
وعي جيد بأدوات الذكاء الاصطناعي
أظهرت النتائج أن غالبية المشاركين يمتلكون مستوى جيدًا من المعرفة بأدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في صناعة المحتوى، وفي مقدمتها «ChatGPT» لإنتاج النصوص والأفكار، و«Midjourney» لإنشاء الصور والتصميمات.
وكشفت الدراسة أن 64.3% من المشاركين يدركون قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على إحداث تحول في إنتاج المحتوى مستقبلًا، ما يعكس وعيًا متقدمًا بأن هذه الأدوات ليست مجرد موجة تقنية عابرة، وإنما عنصر مرشح لإعادة تشكيل صناعة المحتوى الرقمي.
ويمثل هذا الإدراك تحولًا في نظرة المؤثر إلى التكنولوجيا؛ فهي لم تعد أداة مساعدة محدودة، بل أصبحت شريكًا محتملًا في مراحل توليد الأفكار، والكتابة، والتصميم، والتحرير، وتحليل اهتمامات الجمهور.
تسريع الإنتاج في المقدمة
جاء تسريع عملية الإنتاج في مقدمة دوافع استخدام المؤثرين العرب للذكاء الاصطناعي بنسبة بلغت 56.3%، تلاه تحسين جودة المحتوى بنسبة 52.8%.
وتشير هذه النتائج إلى أن الكفاءة العملية وتوفير الوقت يمثلان العاملين الأكثر تأثيرًا في تبني المؤثرين لهذه الأدوات. فالذكاء الاصطناعي يساعد في إعداد المسودات، واختصار النصوص، واقتراح العناوين، وتصميم الصور، وتحرير مقاطع الفيديو، وتحويل المحتوى إلى صيغ متعددة خلال وقت قصير.
وقد يكون هذا العامل مهمًا بصورة خاصة للمؤثرين الذين يديرون حساباتهم بصورة فردية، ويواجهون ضغطًا مستمرًا لإنتاج محتوى جديد يتناسب مع الإيقاع السريع للمنصات الرقمية.
لكن تقديم السرعة على اعتبارات أخرى يطرح سؤالًا أساسيًا: هل يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تطوير المحتوى فعلًا، أم يسهم فقط في زيادة كميته؟
الإبداع أقل حضورًا
على الرغم من قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على توليد الأفكار والنصوص والصور، أظهرت الدراسة أن الدافع الإبداعي كان أقل حضورًا مقارنة بدافعَي السرعة وتحسين الجودة.
ويعني ذلك أن قطاعًا من المؤثرين يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتعزيز الكفاءة أكثر من كونه وسيلة لابتكار أشكال جديدة من التعبير الرقمي.
وهنا تظهر مفارقة مهمة؛ فالتكنولوجيا التي تتيح إمكانات واسعة للتجريب قد تُستخدم لإعادة إنتاج القوالب السائدة إذا اعتمد المؤثر عليها دون تدخل تحريري أو رؤية شخصية واضحة.
وقد يؤدي الاعتماد المفرط على المحتوى المولّد آليًا إلى تشابه الأساليب والعناوين والصور، بما يُضعف الهوية الخاصة لكل صانع محتوى ويقلل من قدرة الجمهور على التمييز بين الحسابات المختلفة.
تراجع أولوية التفاعل مع الجمهور
من النتائج اللافتة في الدراسة أن التفاعل مع الجمهور لم يظهر بوصفه أولوية رئيسية لدى المشاركين مقارنة بدوافع تسريع الإنتاج وتحسين الجودة.
وتستحق هذه النتيجة اهتمامًا خاصًا؛ لأن التأثير الرقمي لا يقوم على المحتوى وحده، وإنما يعتمد على العلاقة التي يبنيها المؤثر مع متابعيه. فالتعليقات، والأسئلة، والنقاشات، والاستجابة إلى ملاحظات الجمهور هي التي تمنح المحتوى بعده الاجتماعي وتحوّل المتابع من متلقٍ إلى مشارك.
وإذا أصبح التركيز منصبًا على إنتاج أكبر كمية ممكنة من المحتوى، فقد تتراجع جودة العلاقة الإنسانية التي تمثل أساس التأثير والثقة. ومن ثم، ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير التواصل مع الجمهور، لا لاستبدال هذا التواصل أو إضعافه.
الذكاء الاصطناعي في ضوء الحتمية التكنولوجية
استندت الدراسة إلى نظرية الحتمية التكنولوجية، التي ترى أن التطورات التقنية لا تعمل باعتبارها أدوات محايدة فحسب، بل تؤثر في أنماط العمل والتواصل والثقافة والعلاقات الاجتماعية.
ومن هذا المنظور، لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على مساعدة المؤثر في كتابة منشور أو تصميم صورة، بل يمتد إلى تغيير طريقة التفكير في المحتوى، وسرعة إنتاجه، ومعايير تقييمه، وطبيعة العلاقة بين صانع المحتوى وجمهوره.
فالمنصات الرقمية فرضت سابقًا إيقاعًا سريعًا واهتمامًا بالمحتوى المختصر والقابل للمشاركة، بينما يدفع الذكاء الاصطناعي اليوم نحو مزيد من الأتمتة والإنتاج المتواصل والتخصيص.
لكن النظرية لا تعني بالضرورة أن التكنولوجيا تتحكم بصورة مطلقة في الإنسان؛ إذ تظل طريقة استخدامها مرتبطة بوعي المستخدم، وأهدافه، ومعاييره المهنية والأخلاقية.
الأصالة والشفافية تحت الاختبار
كلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، أصبحت الحاجة أكبر إلى وضع معايير واضحة تحمي الأصالة والمصداقية.
وتتمثل أبرز التحديات في احتمال نشر معلومات غير دقيقة، أو استخدام صور مصطنعة دون توضيح، أو تقليد أساليب الآخرين، أو الاعتماد على نصوص آلية تفتقر إلى التجربة الإنسانية والصوت الشخصي.
ولا تكمن المشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في غياب المراجعة البشرية والشفافية. فالمؤثر يظل مسؤولًا عن المحتوى الذي ينشره، حتى عندما تنتجه أداة آلية بصورة جزئية أو كاملة.
توصيات لتوظيف أكثر مسؤولية
في ضوء نتائج الدراسة، يمكن تحديد مجموعة من الممارسات التي تساعد المؤثرين على استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر مهنية:
- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة لا بديلًا عن الرؤية الإنسانية.
- مراجعة المعلومات والنصوص المولّدة آليًا قبل نشرها.
- الحفاظ على الأسلوب الشخصي والهوية الخاصة بصانع المحتوى.
- الإفصاح عن استخدام المحتوى الاصطناعي عندما تكون طبيعته مؤثرة في فهم الجمهور.
- استخدام الأدوات لتطوير التفاعل مع المتابعين بدلًا من زيادة كمية المنشورات فقط.
- احترام حقوق الملكية الفكرية وتجنب تقليد أعمال المبدعين.
- تدريب المؤثرين على الاستخدام الأخلاقي والآمن لأدوات الذكاء الاصطناعي.
- قياس أثر المحتوى في الجمهور، وليس الاكتفاء بمؤشرات السرعة والانتشار.
الحاجة إلى دراسات أوسع
أوصت الدراسة بإجراء أبحاث إضافية حول أثر الذكاء الاصطناعي في الأصالة والإبداع، وتوسيع المقارنات بين فئات المؤثرين، ودراسة اتجاهات الجمهور نحو المحتوى المنتج باستخدام هذه التقنيات.
وتبدو هذه التوصيات ضرورية، خصوصًا مع اختلاف استخدام الذكاء الاصطناعي بين المؤثرين في مجالات الأخبار، والترفيه، والتعليم، والرياضة، والتسويق، والثقافة.
كما أن معرفة موقف الجمهور ستساعد على الإجابة عن سؤال مهم: هل يتقبل المتابع المحتوى المنتج آليًا بالدرجة نفسها التي يتقبل بها المحتوى الإنساني، أم أن معرفته بمصدر المحتوى تؤثر في مستوى ثقته وتفاعله؟
خلاصة
تكشف الدراسة أن المؤثرين العرب يتجهون تدريجيًا نحو دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات إنتاج المحتوى، مدفوعين أساسًا بالرغبة في تسريع العمل وتحسين الجودة.
لكن مستقبل صناعة المحتوى لن يتحدد بقدرة الأدوات على إنتاج مزيد من النصوص والصور، وإنما بقدرة المؤثرين على استخدامها دون التضحية بالأصالة والإبداع والثقة والتواصل الإنساني.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع اختصار الوقت وتوسيع الإمكانات، لكنه لا يستطيع وحده بناء علاقة حقيقية مع الجمهور. وتظل القيمة الأساسية للمحتوى مرتبطة بصاحبه: رؤيته، وتجربته، ومسؤوليته، وقدرته على إضافة معنى لا توفره الخوارزميات وحدها.
بيانات الدراسة الأصلية:
عبدالله أطبيقة، «استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الرقمي واتجاهات المؤثرين العرب نحوها: دراسة في ضوء نظرية الحتمية التكنولوجية»، Journal of Intelligent Digital Media and Communication، المجلد الأول، العدد الأول، الصفحات 17–32، 2026. DOI والدراسة الكاملة



















