فريق التحرير شبكة مينا
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد قنوات لنشر الأخبار والإعلانات، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة العلاقات العامة وإدارة السمعة المؤسسية. وفي مقدمة هذه المنصات يأتي «فيسبوك»، بما يمتلكه من قدرة على الوصول المباشر إلى الجمهور، وقياس ردود أفعاله، والاستجابة الفورية لاستفساراته وانتقاداته.
وفي هذا السياق، بحثت دراسة أكاديمية حديثة مستوى توظيف إدارات العلاقات العامة في شركات الاتصالات الفلسطينية لمنصة فيسبوك بوصفها أداة استراتيجية لإدارة السمعة الرقمية، مع التركيز على شركات جوال، وبالتل، وأوريدو.
وحملت الدراسة عنوان: «توظيف فيسبوك أداةً استراتيجية للعلاقات العامة في إدارة السمعة الرقمية: دراسة على شركات الاتصالات الفلسطينية»، وأعدّها الباحثون نوزات أبو العسل، ويسرى حموز، وأحمد النادي، من جامعة العلوم التطبيقية الخاصة، والجامعة العربية الأمريكية، وجامعة اليرموك.
من النشر إلى إدارة السمعة
تنطلق الدراسة من التحول الكبير الذي أحدثته منصات التواصل الاجتماعي في طبيعة العلاقة بين المؤسسات وجمهورها. فالصورة الذهنية للمؤسسة لم تعد تُبنى من خلال الرسائل الإعلامية أحادية الاتجاه، وإنما باتت تتشكل عبر التفاعل اليومي، وسرعة الاستجابة، ودرجة الشفافية، ونوعية المحتوى المنشور.
ومن هذا المنظور، أصبحت السمعة الرقمية أحد أهم الأصول غير الملموسة للمؤسسات؛ إذ تؤثر مباشرة في ثقة الجمهور، وقرارات المستهلكين، وقدرة الشركات على مواجهة الأزمات والمحافظة على علاقاتها مع عملائها.
وحاولت الدراسة قياس أثر استراتيجيات الاتصال التي تتبعها إدارات العلاقات العامة عبر فيسبوك في السمعة الرقمية لشركات الاتصالات الفلسطينية، من خلال محورين رئيسيين هما: المحتوى الإعلامي والتفاعل الرقمي. كما بحثت انعكاس هذه الممارسات على تصورات الجمهور، ومستوى ثقته بالشركات، والصورة المؤسسية المتكونة عنها.
منهجية الدراسة
اعتمد الباحثون المنهج الوصفي التحليلي، واستخدموا استبانتين قائمتين على مقياس «ليكرت» الخماسي لجمع البيانات.
وشملت العينة:
- 30 موظفًا من العاملين في إدارات العلاقات العامة بشركات الاتصالات الفلسطينية.
- 220 مستخدمًا لمنصة فيسبوك.
وبذلك بلغ إجمالي المشاركين في الدراسة 250 مشاركًا، ما أتاح الجمع بين رؤية القائمين على الاتصال داخل الشركات وتقييم الجمهور للمحتوى والممارسات الرقمية التي تقدمها هذه المؤسسات.
استخدام مرتفع لفيسبوك
أظهرت النتائج أن مستوى توظيف شركات الاتصالات الفلسطينية لمنصة فيسبوك في إدارة السمعة الرقمية جاء مرتفعًا، بمتوسط عام بلغ 4.16 من خمس درجات، أي ما يعادل نحو 83%.
وتصدّر محور الاستخدام المباشر للمنصة في إدارة السمعة الترتيب بنسبة بلغت 88%، وهو ما يشير إلى إدراك شركات الاتصالات لأهمية فيسبوك في التواصل المؤسسي وبناء العلاقات مع الجمهور.
وتؤكد هذه النتيجة أن المنصة لم تعد تُستخدم فقط للترويج للخدمات والعروض، بل أصبحت قناة لإدارة المواقف، ورصد اتجاهات العملاء، والتعامل مع الشكاوى، وتوضيح المعلومات، والمحافظة على الصورة العامة للشركة.
المحتوى يصنع الانطباع
توضح الدراسة أن طبيعة المحتوى المنشور تؤدي دورًا مؤثرًا في تشكيل مواقف الجمهور تجاه المؤسسة. فالمحتوى الواضح والشفاف والمتجدد يعزز الثقة، بينما قد يؤدي التأخر في الرد أو تجاهل الانتقادات إلى الإضرار بالصورة المؤسسية، حتى لو كانت الخدمات المقدمة جيدة في جوانب أخرى.
ومن ثم، فإن إدارة السمعة الرقمية لا تتحقق بكثافة النشر وحدها، وإنما تعتمد على جودة الرسالة، ومدى ارتباطها باهتمامات الجمهور، وقدرة المؤسسة على التعامل المهني مع التفاعلات الإيجابية والسلبية.
ويزداد تأثير هذه العناصر في قطاع الاتصالات، نظرًا إلى الارتباط اليومي المباشر بين الشركات والعملاء، وكثرة الاستفسارات والشكاوى المتعلقة بالخدمات والأسعار وجودة الاتصال والتغطية.
الحوار بدلًا من الاتصال أحادي الاتجاه
شددت الدراسة على أهمية تعزيز الاستفادة من نظرية الحوار في إدارة الاتصال عبر فيسبوك. ويعني ذلك الانتقال من الاكتفاء بنشر البيانات والمحتوى الترويجي إلى بناء تواصل تفاعلي حقيقي يتيح للجمهور التعبير عن آرائه وتلقي إجابات واضحة وسريعة.
ويُعد الحوار الرقمي عنصرًا رئيسيًا في بناء الثقة، خاصة خلال الأزمات أو عند انتشار معلومات غير دقيقة. فكلما كانت المؤسسة أكثر حضورًا وشفافية وقدرة على الاستجابة، ارتفعت فرصها في حماية سمعتها والحد من تأثير الشائعات والانطباعات السلبية.
توصيات لتعزيز السمعة الرقمية
في ضوء النتائج، يمكن تحديد عدد من الممارسات الضرورية لتطوير إدارة السمعة الرقمية لدى المؤسسات:
- إعداد استراتيجية واضحة للمحتوى الرقمي مرتبطة بأهداف العلاقات العامة.
- اعتماد الشفافية في تقديم المعلومات والرد على القضايا التي تهم الجمهور.
- تسريع الاستجابة إلى استفسارات العملاء وشكاواهم.
- تطوير مهارات فرق العلاقات العامة في إدارة الحوار والأزمات الرقمية.
- تحليل تعليقات الجمهور واتجاهاته بدلًا من الاكتفاء بقياس أعداد الإعجابات والمشاركات.
- تحقيق التوازن بين المحتوى الترويجي والمحتوى الخدمي والتوعوي.
- وضع آليات لقياس أثر المحتوى في الثقة والصورة المؤسسية.
- إعداد خطط استجابة مسبقة لمواجهة الشائعات والأزمات المفاجئة.
خلاصة
تكشف الدراسة أن فيسبوك أصبح أداة استراتيجية في عمل إدارات العلاقات العامة بشركات الاتصالات الفلسطينية، وأن توظيفه الفاعل ينعكس على مستوى الثقة والصورة الذهنية والسمعة الرقمية.
لكن المحافظة على هذه السمعة تتطلب أكثر من مجرد الحضور المستمر على المنصة؛ فهي تحتاج إلى محتوى موثوق، وحوار متبادل، واستجابة فورية، وقدرة على الإنصات إلى الجمهور وتحويل ملاحظاته إلى قرارات وممارسات مؤسسية.
وبذلك، تتحول العلاقات العامة الرقمية من وظيفة ترويجية إلى عملية استراتيجية مستمرة، هدفها بناء علاقة طويلة الأمد بين المؤسسة وجمهورها، وحماية الثقة التي تمثل الركيزة الأهم لأي سمعة مؤسسية ناجحة.
بيانات الدراسة الأصلية:
Employing Facebook as a Strategic Public Relations Tool in Digital Reputation Management: A Study of Palestinian Telecommunications Companies
الباحثون: Nawzat Abu Alasal، Yusra Hmouz، Ahmad Al-Nadi
DOI: https://doi.org/10.67732/jidmc.v1i1.6



















