إسطنبول – شبكة مينا
طرحت الدكتورة سومية حكيم، خلال مشاركتها في مؤتمر مينا العلمي الأول للإعلام والتحولات الرقمية بإسطنبول، تصورًا عربيًا لحوكمة المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي، يدعو إلى تجاوز مرحلة توظيف الأدوات الذكية في إنتاج المحتوى، نحو بناء منظومات معرفية موثوقة ومنظمة ومحكومة تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي العمل داخلها.
واكتسب الطرح بُعدًا تطبيقيًا مع إعلان حكيم إطلاق مشروع «هندسة المعرفة الإسلامية» بالشراكة العلمية مع الدكتورة دنيا تامري وعدد من الباحثين والمتخصصين، بالتوازي مع فتح النقاش حول تطوير مفهوم «هندسة المعرفة الإعلامية والإنسانية»، فيما أبدت شبكة مينا استعدادها للدخول شريكًا في تطوير مسار هندسة المعرفة الإعلامية وربطه بالاحتياجات الفعلية للمؤسسات الإعلامية والصحفيين والباحثين.
من إنتاج المحتوى إلى حوكمة المعرفة
وقدمت حكيم نموذجًا يتكون من سبع طبقات مترابطة تبدأ بالمصادر، مرورًا بالتوثيق والتحقق، والتمثيل المعرفي، واللغة والسياق، ثم الذكاء الاصطناعي والمراجعة البشرية، وصولًا إلى الحوكمة وقياس الأثر.
ويقترح النموذج تغيير المعادلة السائدة التي تختزل العلاقة في:
ذكاء اصطناعي ← محتوى
إلى منظومة أكثر تكاملًا:
معرفة موثوقة ← تحقق ← تمثيل معرفي ← سياق ← ذكاء اصطناعي ← مراجعة بشرية ← حوكمة
وترى حكيم أن التحدي المقبل أمام المؤسسات العربية لن يكون فقط في قدرتها على امتلاك أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما في امتلاك المعرفة التي تعمل عليها هذه الأدوات؛ بما يشمل المصادر الموثوقة، وقواعد المعرفة، والمعاجم، وآليات التحقق، والتمثيلات الدلالية والسياقية.
«الخصوصية المعرفية» في مواجهة التعميم الخوارزمي
وطرحت حكيم خلال مداخلتها مفهوم «الخصوصية المعرفية» باعتباره أحد المداخل الضرورية للنقاش العربي حول الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن الخبر الصحفي، والنص الديني، والمعلومة التاريخية، والبحث العلمي، والتفسير والاجتهاد، تمثل أنماطًا معرفية مختلفة لا يمكن إخضاعها جميعًا للمنطق نفسه في الجمع والمعالجة والتوليد.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة مع التوسع في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ ينتقل السؤال من مجرد قدرة الآلة على إنتاج إجابة إلى نوعية المعرفة التي بُنيت عليها الإجابة، ومصدرها، وسياقها، وإمكانية التحقق منها، والجهة المسؤولة عن مراجعتها.

إطلاق مشروع «هندسة المعرفة الإسلامية»
وفي امتداد لهذا التصور، أعلنت حكيم إطلاق مشروع «هندسة المعرفة الإسلامية»، الذي يستهدف تنظيم المعرفة وتوثيق مصادرها وتمثيل العلاقات والسياقات المرتبطة بها داخل البيئة الرقمية، بما يساعد على التعامل معها وفق طبيعتها وخصوصيتها المعرفية.
وفتح النقاش الذي شهدته جلسات المؤتمر الباب أمام توسيع الفكرة لتشمل هندسة المعرفة الإعلامية والإنسانية، بما يمكن أن يخدم قطاعات الإعلام والثقافة والتعليم والبحث العلمي.
شبكة مينا تتجه نحو مسار تطبيقي جديد
وفي هذا السياق، أبدت شبكة مينا استعدادها للشراكة في تطوير مشروع «هندسة المعرفة الإعلامية»، بما يتيح الجمع بين البحث الأكاديمي والخبرة المهنية واحتياجات غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية.
ويستهدف المسار المقترح الانتقال من النقاش النظري حول تأثير الذكاء الاصطناعي في الصحافة إلى البحث في كيفية بناء بنية معرفية إعلامية عربية أكثر موثوقية وشفافية، يمكن استخدامها في التحقق والأرشفة والبحث وإدارة المعرفة وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجهة للعمل الإعلامي.
ويمثل هذا التوجه أحد المسارات التطبيقية التي أفرزها مؤتمر مينا العلمي الأول، بما يعزز انتقال المؤتمر من منصة لتبادل الأوراق والأفكار إلى مساحة يمكن أن تنطلق منها مشروعات بحثية ومهنية مشتركة.
وتختصر رؤية حكيم التحول المطلوب في ثلاث مراحل:
من المحتوى إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى هندستها، ومن الذكاء الاصطناعي كأداة إلى الذكاء الاصطناعي داخل منظومة معرفية محكومة.
وبذلك، يصبح السؤال الاستراتيجي الذي يواجه المؤسسات الإعلامية والمعرفية العربية في المرحلة المقبلة ليس فقط:
من يمتلك أدوات الذكاء الاصطناعي؟
بل الأهم:
من يمتلك المعرفة الموثوقة التي يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعتمد عليها؟



















