شبكة مينا
قدّم الدكتور هشام المكي، أستاذ الإعلام والاتصال من المغرب، اليوم الخميس، محاضرة تدريبية بعنوان «أخلاقيات الاتصال الرقمي»، وذلك ضمن المساقات المتاحة لغير المسجلين في دبلوم الإعلام الرقمي، والتي تتيحها شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بهدف تعميم الفائدة وتوسيع دائرة الاستفادة المهنية أمام الصحفيين وطلاب الإعلام وصنّاع المحتوى.
وجاءت المحاضرة في سياق اهتمام الشبكة بطرح قضايا مهنية ملحّة ترتبط بتحولات الصحافة والإعلام في العصر الرقمي، خاصة مع اتساع تأثير المنصات الاجتماعية، وتزايد الاعتماد على الخوارزميات، وتداخل أدوار الصحفيين والجمهور وصنّاع المحتوى في إنتاج الرسائل الإعلامية وتداولها.
وتناولت المحاضرة الأسس النظرية لأخلاقيات الإعلام، من خلال نقاش موسع حول معنى الأخلاق في الممارسة الإعلامية، وما إذا كانت تقوم على مبادئ عقلانية ثابتة، أم تتأثر بالسياقات الثقافية والتاريخية والسياسية. وأوضح الدكتور المكي أن أخلاقيات الإعلام لا يمكن التعامل معها باعتبارها قواعد جامدة أو علمًا منفصلًا عن الواقع، بل هي ممارسة مهنية متغيرة، تتشكل داخل بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة.
وأشار إلى أن التحولات الرقمية فرضت إعادة النظر في مفهوم المسؤولية الإعلامية، إذ لم يعد الاتصال قائمًا على النموذج التقليدي البسيط الذي يفترض وجود مرسل ومستقبل فقط، بل أصبح عملية شبكية معقدة تتداخل فيها أطراف متعددة، من بينها الصحفيون، وصنّاع المحتوى، والجمهور، والمنصات الرقمية، ومصممو التطبيقات، والخوارزميات التي تتحكم في ظهور المحتوى وانتشاره.
كما توقف الدكتور المكي عند تطور نماذج الاتصال الحديثة، موضحًا أن الاتصال انتقل من النموذج الخطي، الذي كانت المؤسسات الإعلامية تتحكم فيه بصورة أكبر في إنتاج الرسالة وتوجيهها، إلى نماذج تفاعلية ورقمية أكثر تعقيدًا، أصبح فيها المتلقي مشاركًا في إنتاج المعنى، وإعادة توزيع المحتوى، والتأثير في مسار النقاش العام.
وناقشت المحاضرة الخلفيات الفلسفية والثقافية التي أسهمت في تشكيل نظريات الإعلام الحديثة، بما في ذلك تأثير بعض المرجعيات الدينية والفكرية في تطور التصورات الغربية حول الاتصال والإعلام. وبيّن الدكتور المكي أن فهم هذه الخلفيات يساعد الصحفيين والباحثين على إدراك أن المعايير الأخلاقية لا تنشأ في فراغ، بل تتأثر بتاريخ المجتمعات وتجاربها السياسية والثقافية.
وتطرقت الجلسة إلى إشكالية النسبية الثقافية في الأخلاقيات الإعلامية، حيث أوضح المحاضر أن ما قد يُنظر إليه باعتباره مقبولًا أو مهنيًا في بيئة ثقافية معينة، قد يثير إشكالات أو حساسيات في بيئة أخرى. ومن هنا، شدد على أهمية أن يمتلك الصحفي وعيًا نقديًا يمكنه من الموازنة بين المعايير المهنية العامة، مثل الدقة والإنصاف والشفافية، وبين الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للجمهور.
كما ناقش المشاركون التحديات التي يواجهها الصحفيون عند التعامل مع قضايا حساسة تتصل بالدين، والهوية، والقيم الاجتماعية، والتنوع، وحقوق الإنسان، خاصة في البيئات التي تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والثقافية مع العمل الإعلامي. وأكدت المحاضرة أن الصحفي لا يستطيع أن يمارس دوره المهني بمعزل عن فهم السياق الذي يعمل داخله، لكنه في الوقت نفسه مطالب بالحفاظ على استقلاليته المهنية وعدم تحويل الخصوصية الثقافية إلى مبرر لتجاهل كرامة الإنسان أو التلاعب بالمعلومات.
واستعرض الدكتور المكي عددًا من المبادئ الأساسية التي يمكن أن تشكل مدخلًا لفهم أخلاقيات الاتصال الرقمي، وفي مقدمتها المسؤولية المهنية والأدبية، أي إدراك الصحفي وصانع المحتوى لأثر ما ينشره على الأفراد والمجتمعات، خاصة في بيئة رقمية تتسم بسرعة الانتشار وصعوبة السيطرة على النتائج بعد النشر.
كما تناول مبدأ التوازن بين الكفاءة التقنية والمصلحة العامة، موضحًا أن امتلاك الأدوات الرقمية والقدرة على الوصول السريع إلى الجمهور لا يكفيان وحدهما لصناعة إعلام مهني. فالسرعة، والتفاعل، والقدرة على الانتشار يجب ألا تتحول إلى بديل عن التحقق، أو ذريعة لتضخيم المحتوى المضلل، أو نشر مواد قد تضر بالأفراد والمجتمعات.
وتطرقت المحاضرة كذلك إلى مفهوم الحوكمة التشاركية، باعتباره أحد المداخل المهمة لضبط البيئة الرقمية أخلاقيًا، من خلال إشراك مختلف الأطراف المعنية في النقاش حول المعايير والقواعد المنظمة للتواصل الرقمي، بما في ذلك الصحفيون، والمؤسسات الإعلامية، والمنصات، والجمهور، والهيئات الأكاديمية والمهنية.
كما أشار الدكتور المكي إلى أهمية إدخال مفهوم الاستدامة ضمن النقاش الأخلاقي المتعلق بالإعلام الرقمي، ليس فقط من زاوية المحتوى، بل أيضًا من زاوية الأثر البيئي والتقني للبنية الرقمية، وما تفرضه التكنولوجيا من مسؤوليات جديدة على المؤسسات والمجتمعات.
ومن أبرز المحاور التي طرحتها المحاضرة مفهوم أخلاقيات التصميم، الذي يدعو إلى دمج القيم الأخلاقية داخل بنية المنصات الرقمية والخدمات التقنية منذ مرحلة التصميم، بدل الاكتفاء بوضع شروط استخدام طويلة أو مواثيق منفصلة لا يقرأها أغلب المستخدمين. ويقوم هذا المفهوم على أن حماية الخصوصية، وتقليل الضرر، وتعزيز الشفافية، واحترام كرامة المستخدم، ينبغي أن تكون عناصر مدمجة في طريقة عمل المنصات والخوارزميات.
وشددت المحاضرة على أن المسؤولية الأخلاقية في البيئة الرقمية لم تعد تقع على الصحفي وحده، بل أصبحت مسؤولية موزعة بين أطراف متعددة. فالمنصة التي تقترح المحتوى، والخوارزمية التي ترفعه أو تخفيه، والمستخدم الذي يعيد نشره، والمؤسسة الإعلامية التي تنتجه، جميعهم جزء من منظومة التأثير والمسؤولية.
وشهدت الجلسة نقاشات تفاعلية بين المشاركين حول العلاقة بين الصحافة والتكنولوجيا، وحدود المسؤولية الأخلاقية في ظل السرعة الكبيرة التي تفرضها المنصات الرقمية، إضافة إلى التحديات التي تواجه الصحفيين في التحقق من المعلومات، وحماية الجمهور من التضليل، والحفاظ على التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية.
وأكدت المحاضرة أن أخلاقيات الاتصال الرقمي لم تعد ترفًا نظريًا، بل أصبحت ضرورة مهنية للصحفيين وصنّاع المحتوى، في ظل بيئة إعلامية تتسم بتدفق المعلومات، وتراجع الحدود بين المنتج والمتلقي، وتزايد تأثير الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في صناعة الرأي العام.
وتأتي هذه المحاضرة في إطار حرص شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على فتح بعض مساقات دبلوم الإعلام الرقمي أمام غير المسجلين، بما يعزز فرص التعلم المهني، ويفتح المجال أمام جمهور أوسع للاستفادة من خبرات المدربين والأكاديميين المشاركين في البرنامج.
وتؤكد الشبكة من خلال هذه المبادرة التزامها بتطوير قدرات الصحفيين والإعلاميين وصنّاع المحتوى في المنطقة، وترسيخ ثقافة إعلامية أكثر مسؤولية، تقوم على الدقة، والشفافية، واحترام كرامة الإنسان، والوعي بالتحديات الأخلاقية التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة.


















