MENA network
يكشف تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة حول اتجاهات الإعلام والتكنولوجيا لعام 2026 أن صناعة الأخبار تدخل مرحلة جديدة من التحول والضغط، لا تتعلق فقط بتطور الأدوات الرقمية، بل بمكانة الصحافة نفسها في حياة الجمهور، وبقدرة المؤسسات الإعلامية على البقاء مؤثرة في بيئة تتغير بسرعة.
فالتقرير يرصد مجموعة من المؤشرات التي تعكس قلقًا متزايدًا داخل قطاع الإعلام، في ظل تراجع الثقة، وانخفاض الزيارات القادمة من محركات البحث والمنصات الاجتماعية، وصعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، إلى جانب المنافسة المتنامية من صناع المحتوى والمؤثرين الذين باتوا يشكلون مصدرًا رئيسيًا للأخبار والتحليل لدى قطاعات واسعة من الجمهور.
تراجع الثقة في مستقبل الصحافة
من أبرز مخرجات التقرير أن الثقة بمستقبل الصحافة نفسها تبدو أقل من الثقة بمستقبل المؤسسات الإعلامية الفردية. فقد أظهر استطلاع شمل قادة رقميين وإعلاميين من دول عدة أن 38% فقط يبدون ثقة بمستقبل الصحافة خلال العام المقبل، بينما عبّر 53% عن ثقتهم بمستقبل مؤسساتهم الإعلامية.
هذا الفارق يكشف أن الأزمة لم تعد أزمة مؤسسة بعينها، بل أزمة نموذج عام للصحافة في مواجهة تحولات عميقة تمس الوصول إلى الجمهور، ومصادر الدخل، وشكل المحتوى، ومستوى الثقة العامة في العمل الإعلامي.
محركات البحث تتحول إلى محركات إجابة
يشير التقرير إلى أن واحدًا من أخطر التحولات يتمثل في تغيّر طبيعة محركات البحث. فبدلًا من أن تقود المستخدم إلى المواقع الإخبارية، تتجه محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تقديم إجابات مباشرة داخل واجهات المحادثة أو نتائج البحث نفسها.
هذا التحول يهدد نموذج الزيارات الذي اعتمدت عليه مؤسسات إعلامية كثيرة لسنوات، إذ يتوقع الناشرون تراجع الزيارات القادمة من البحث بأكثر من 40% خلال ثلاث سنوات. كما يشير التقرير إلى تراجع واضح في الإحالات القادمة من فيسبوك وX خلال السنوات الأخيرة.
ومعنى ذلك أن المؤسسات الإعلامية لم تعد قادرة على الاعتماد على المنصات الكبرى كممر مضمون للوصول إلى الجمهور، بل أصبحت مطالبة ببناء علاقات مباشرة وأكثر استدامة مع قرائها ومتابعيها.
صعود صناع المحتوى والمؤثرين
يرصد التقرير كذلك تنامي تأثير صناع المحتوى والمؤثرين في المجال الإخباري، خاصة لدى الجمهور الشاب. فالكثير من المستخدمين باتوا يفضلون المتابعة عبر شخصيات فردية تظهر بوجه وصوت واضحين، وتقدم محتوى أكثر قربًا وبساطة وشخصية.
وبحسب التقرير، يشعر 70% من قادة الإعلام بالقلق من أن صناع المحتوى والمؤثرين يستحوذون على وقت الجمهور وانتباهه على حساب المؤسسات الإعلامية، فيما يخشى 39% من فقدان المواهب التحريرية لصالح اقتصاد صناع المحتوى، الذي يمنح الصحفيين أحيانًا مساحة أكبر للظهور والاستقلالية والعائد المادي.
هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية المؤسسات الإعلامية، لكنه يفرض عليها مراجعة أسلوبها في التواصل مع الجمهور، وإبراز وجوه صحفييها، وتطوير صيغ أكثر إنسانية وشخصية دون التخلي عن قواعد الدقة والمهنية.
الفيديو يتقدم على النص
يؤكد التقرير أن الفيديو سيكون في قلب استراتيجيات المؤسسات الإعلامية خلال عام 2026. فالأولوية تتجه أكثر نحو يوتيوب وتيك توك وإنستغرام، إلى جانب التوسع في البودكاست والصيغ الصوتية والمرئية.
هذا لا يعني اختفاء المقال أو التقرير المكتوب، لكنه يعني أن النص وحده لم يعد كافيًا للوصول إلى جمهور متعدد العادات والمنصات. فالمؤسسة الإعلامية الحديثة مطالبة بإنتاج محتوى قابل لإعادة الصياغة والتوزيع عبر أكثر من وسيط: نص، فيديو، صوت، نشرات، ومنشورات قصيرة.
الذكاء الاصطناعي: فرصة وتهديد
يتعامل التقرير مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة مزدوجة. فمن جهة، يتيح أدوات مهمة في جمع المعلومات، والتلخيص، والتحرير، وتحليل البيانات، وإعادة توزيع المحتوى. ومن جهة أخرى، يهدد بزيادة المحتوى الرديء والمضلل، وانتشار الصور والفيديوهات المزيفة، وإضعاف قدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقة والتلاعب.
لذلك يربط التقرير مستقبل الصحافة بقدرتها على تقديم قيمة لا تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاجها بسهولة: العمل الميداني، التحقق، الخبرة الإنسانية، التحليل العميق، والسياق الذي يمنح القارئ فهمًا لا مجرد إجابة سريعة.
المحتوى الأصلي يعود إلى الواجهة
من أهم ما يخرج به التقرير أن المؤسسات الإعلامية ستتجه أكثر إلى المحتوى الأصلي والمتميز، مثل التحقيقات، والتغطية الميدانية، والشرح والتحليل، والقصص الإنسانية. في المقابل، قد تتراجع قيمة الأخبار العامة والمحتوى المتكرر، لأنها الأكثر عرضة للاختصار أو الاستبدال عبر أدوات الذكاء الاصطناعي.
وهنا تبدو الرسالة واضحة: الصحافة التي تكرر ما هو متاح للجميع ستفقد قيمتها، أما الصحافة التي تنتج معرفة أصلية، وتذهب إلى الميدان، وتشرح التعقيد، وتبني الثقة، فستظل قادرة على البقاء والتأثير.

ماذا تعني هذه المخرجات للصحافة العربية؟
بالنسبة للصحافة العربية، تطرح مخرجات التقرير أسئلة مباشرة حول جاهزية المؤسسات الإعلامية والصحفيين للتعامل مع هذه المرحلة. فالتحديات التي يتحدث عنها التقرير ليست بعيدة عن منطقتنا، بل تظهر بوضوح في بيئات تعاني أصلًا من ضعف التمويل، وضغط المنصات، وتراجع الثقة، وانتشار التضليل.
ومن هنا، فإن الاستثمار في التدريب، والتحقق الرقمي، وصناعة المحتوى متعدد الصيغ، وفهم الذكاء الاصطناعي، وبناء علاقة مباشرة مع الجمهور، لم يعد رفاهية مهنية، بل ضرورة لحماية دور الصحافة.



















