إسطنبول – شبكة مينا
قدّمت الباحثة المغربية الدكتورة دنيا تامري مقاربة علمية تربط بين الإعلام وعلم النفس والذكاء الاصطناعي، خلال مشاركتها في مؤتمر مينا الدولي الأول للإعلام والتحولات الرقمية، الذي انعقد في إسطنبول يومي 28 و29 أغسطس 2026، بمشاركة أكاديميين وباحثين وإعلاميين ومختصين من عدة دول.
وجاءت مشاركة تامري ضمن الحضور المغربي البارز في المؤتمر، بمداخلة حملت عنوان «المسؤولية المجتمعية للإعلام الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي: مقاربة سيكولوجية لتشكل الوعي الجمعي في سياق الأزمات بين الاحتواء والتضخيم».
من الخوارزمية إلى الإنسان
ركزت المداخلة على نقل النقاش من قدرات التكنولوجيا والخوارزميات إلى الإنسان الذي يستقبل المعلومة ويتفاعل معها، وما يحدث للمحتوى منذ لحظة إنتاجه وتأطيره وتوزيعه، وصولًا إلى تأثيره في انتباه المتلقي وإدراكه وانفعالاته، ثم في تشكيل أحكامه وقراراته وسلوكه.
واستندت تامري إلى علم النفس السيبراني لفهم العلاقة بين الإنسان والبيئة الرقمية، موضحة أن تلقي المحتوى يتأثر بمجموعة من العوامل، بينها قوة العنوان والصورة والتكرار والثقة بالمصدر والانتماء للجماعة والخبرات السابقة، فضلًا عن دور الخوارزميات في ترتيب المحتوى وتخصيص ما يظهر للمستخدم.
وتزداد أهمية هذه العوامل خلال الأزمات، حيث يتسارع تدفق الأخبار وترتفع حساسية الجمهور تجاه الصور والعناوين والمحتوى الانفعالي.
المعلومة الصحيحة قد تنتج فهمًا خاطئًا
ومن أبرز الأفكار التي طرحتها المداخلة أن المسؤولية الإعلامية لا تنتهي عند التحقق من صحة الواقعة؛ إذ يمكن أن تكون المعلومة صحيحة، لكنها تُقدَّم في سياق أو صياغة تؤدي إلى فهم مشوه أو تضخيم مستوى الخطر.
وفي المقابل، قد يؤدي التهوين إلى التقليل من خطر حقيقي يستوجب الانتباه، وهو ما يجعل المسؤولية المهنية قائمة على تحقيق التوازن بين الدقة والسياق والأثر، وليس على صحة المعلومة منفردة.
كما ناقشت تامري استمرار أثر المعلومات المضللة حتى بعد تصحيحها، معتبرة أن ذلك يجعل التحقق قبل النشر والوقاية من التضليل أكثر أهمية من التعويل على التصحيح بعد انتشار المحتوى.
«سلامة مسار المعلومة»
وقدمت الباحثة مفهوم «سلامة مسار المعلومة» بوصفه مدخلًا لتوسيع مفهوم المسؤولية الإعلامية في العصر الرقمي.
ويشمل هذا المسار سلامة المصدر والمحتوى والسياق والتأطير وطريقة التوزيع والأثر النفسي والاجتماعي والسلوكي المحتمل، بما ينقل المسؤولية المهنية من السؤال التقليدي: «هل المعلومة صحيحة؟» إلى سؤال أكثر شمولًا: «هل مسار المعلومة سليم؟»
وبهذا المنظور، لا تصبح المؤسسة الإعلامية مسؤولة فقط عما تنشره، وإنما أيضًا عن الكيفية التي تقدمه بها والبيئة التي ينتشر داخلها والآثار المحتملة التي يتركها لدى الجمهور.
الخوارزميات لا تتحكم بالعقل.. لكنها تشكل بيئة التلقي
وقدمت تامري قراءة متوازنة لدور الخوارزميات، بعيدًا عن التصورات التي تمنح التكنولوجيا قدرة مطلقة على التحكم في الإنسان.
فالخوارزمية، بحسب الطرح، لا تحدد وحدها ما يفكر فيه المستخدم، لكنها تؤثر في شروط تعرضه للمعلومات: ما الذي يظهر أولًا، وما الذي يتكرر، وما الذي يُقترح لاحقًا، وما الذي يستحوذ على مساحة أكبر من انتباهه.
وفي الوقت نفسه، تتحول استجابات المستخدم من مشاهدة ونقر وتعليق ومشاركة ومدة تفاعل إلى بيانات يمكن توظيفها في إعادة ترتيب المحتوى، لتنشأ حلقة متواصلة بين المحتوى والانتباه والانفعال والتفاعل والبيانات والتوصية والتعرض الجديد.
نحو إعلام ذكي ومسؤول
وربطت المداخلة هذه التحولات بمشروع بحثي أوسع لتامري حول علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وهو ما تناولته أيضًا في كتابها «الذكاء الاصطناعي والإنسان في عصر التحول الرقمي – رؤى وتطبيقات».
ودعت الباحثة في ختام طرحها إلى بناء تصور لـإعلام ذكي ومسؤول يستفيد من إمكانات الذكاء الاصطناعي دون التخلي عن القرار الإنساني والمسؤولية المهنية والأخلاقية.
وأكدت أن السبق لا ينبغي أن يأتي على حساب التثبت، وأن حجم التفاعل ليس دليلًا على جودة المعلومة، وأن مسؤولية الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي تتجاوز ما يُنشر إلى كيفية تقديمه وسياقه وتأثيره في وعي الإنسان وقراراته وسلوكه.
وتضع هذه المقاربة الإنسان مجددًا في قلب معادلة التحول الرقمي؛ فالرهان ليس على امتلاك خوارزميات أكثر قدرة فحسب، وإنما على تسخير هذه القدرات لخدمة حق الجمهور في معلومة دقيقة وفهم واعٍ وقرار مسؤول.



















