إسطنبول – شبكة MENA Editors
يحتفي العالم في الثامن من سبتمبر من كل عام بـاليوم الدولي لمحو الأمية، في مناسبة تتجاوز الدعوة إلى تعلم القراءة والكتابة، لتطرح سؤالًا أكثر اتساعًا في عصر تتدفق فيه المعلومات عبر الهواتف والمنصات الرقمية: هل يكفي أن يستطيع الإنسان القراءة، أم أصبح من الضروري أيضًا أن يفهم ما يقرأ، ويميز بين الحقيقة والتضليل، ويتحقق مما يصل إليه؟
ويكتسب اليوم الدولي لمحو الأمية أهمية خاصة في عام 2026، إذ يوافق الذكرى الستين لإعلان المناسبة من جانب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، ويُحتفى به هذا العام تحت شعار «محو الأمية من أجل الإنسان والكوكب والازدهار»، في تأكيد للارتباط بين المعرفة والتنمية وبناء المجتمعات القادرة على مواجهة التحولات المتسارعة.
ورغم التقدم الذي أحرزته دول عديدة خلال العقود الماضية، تشير بيانات اليونسكو إلى أن نحو 739 مليون شاب وبالغ حول العالم ما زالوا يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية، فيما لا يصل أربعة من كل عشرة أطفال إلى الحد الأدنى المطلوب من الكفاءة في القراءة.
من محو الأمية إلى بناء الوعي
لم يعد مفهوم الأمية في البيئة الرقمية مرتبطًا فقط بعدم القدرة على قراءة الكلمات وكتابتها. فالمجتمعات تواجه اليوم شكلًا آخر من أشكال الأمية يتمثل في العجز عن فهم المعلومات وتقييم مصادرها، واكتشاف المحتوى المضلل، والتعامل النقدي مع ما تنشره وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتؤكد اليونسكو أن التربية الإعلامية والمعلوماتية توسع المفهوم التقليدي لمحو الأمية، بحيث تشمل قدرة الإنسان على التعامل النقدي مع ما يقرأه ويسمعه ويتعلمه، إلى جانب امتلاك المهارات الرقمية اللازمة للوصول إلى المعلومات واستخدامها.
ومن هنا تبرز مسؤولية وسائل الإعلام والمؤسسات الصحفية باعتبارها جزءًا من منظومة بناء المعرفة، لا مجرد أدوات لنقل الأحداث.
إبراهيم أوغلو: مسؤولية الإعلام تبدأ من المعرفة ولا تنتهي عند نقل الخبر
وقال أبوبكر إبراهيم أوغلو، رئيس مجلس إدارة شبكة MENA Editors، بمناسبة اليوم الدولي لمحو الأمية، إن الدور الذي تتحمله الصحافة اليوم أصبح أوسع من أي وقت مضى، في ظل التدفق الهائل للمعلومات وتزايد تأثير المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تشكيل وعي الجمهور.
وأضاف:
«محو الأمية في عصرنا لا يعني فقط أن نعلّم الإنسان كيف يقرأ ويكتب، وإنما أن نساعده أيضًا على أن يفهم ما يقرأ، وأن يسأل عن مصدر المعلومة، وأن يمتلك القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل. وهنا يتحمل الإعلام مسؤولية أساسية في بناء مجتمع أكثر معرفة ووعيًا».
وأكد إبراهيم أوغلو أن الصحافة التي تخدم الإنسان يجب ألا تكتفي بتقديم المعلومات، بل عليها أن تساعد الجمهور على فهم السياق، والوصول إلى المصادر الموثوقة، والتفكير النقدي، واتخاذ مواقف وقرارات مبنية على المعرفة لا على الشائعات أو المعلومات المضللة.
وقال:
«نحتاج إلى إعلام لا يخبر الناس فقط بما حدث، وإنما يساعدهم على فهم لماذا حدث، وما الذي تعنيه المعلومات المنشورة بالنسبة إلى حياتهم ومجتمعاتهم. المعرفة الحقيقية تبدأ بالقراءة، لكنها تكتمل بالفهم والتحقق».
الإعلام في مواجهة الأمية المعلوماتية
وأدت الثورة الرقمية إلى إتاحة كميات غير مسبوقة من المعرفة أمام الجمهور، لكنها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام انتشار الأخبار الكاذبة والمعلومات المجتزأة والصور والفيديوهات المضللة والمحتوى المصنوع أو المعدل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وهذا الواقع يجعل التربية الإعلامية والمعلوماتية جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية حديثة لمحو الأمية.
ويمكن لوسائل الإعلام أن تسهم في ذلك من خلال تبسيط المعرفة العلمية والثقافية، وإنتاج محتوى تعليمي يمكن للجمهور الوصول إليه بسهولة، وتعزيز صحافة التحقق، وشرح طرق اكتشاف الأخبار المضللة، وإتاحة مساحة أكبر للخبراء والمعلمين والباحثين، إلى جانب الاهتمام بقضايا التعليم والفئات الأقل وصولًا إلى مصادر المعرفة.
كما يمكن للمؤسسات الصحفية أن تؤدي دورًا مهمًا في تشجيع القراءة والتعلم المستمر، وإعادة تقديم الكتب والأبحاث والدراسات بلغة صحفية مفهومة، وربط القضايا اليومية للناس بالمعرفة التي تساعدهم على تحسين حياتهم.
«من أجل مجتمع يقرأ ويفهم ويتحقق»
وأشار رئيس مجلس إدارة شبكة MENA Editors إلى أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بالنظر إلى محو الأمية بوصفه قضية صحفية وتنموية في الوقت نفسه.
وقال إبراهيم أوغلو:
«كلما توسعت دائرة المعرفة تقلصت مساحة الشائعة والتضليل. ولذلك فإن الاستثمار في التعليم والقراءة والتربية الإعلامية ليس مسؤولية المدارس والجامعات وحدها، وإنما مسؤولية تشارك فيها الصحافة والمؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى والمجتمع المدني».
وأضاف:
«رسالتنا في هذه المناسبة بسيطة: من أجل مجتمع يقرأ، ويفهم، ويتحقق. مجتمع لا يكون فيه الإنسان مجرد متلقٍ للمعلومة، وإنما شريكًا واعيًا في إنتاج المعرفة وتقييمها واستخدامها».
وشدد على أهمية أن تخصص المؤسسات الإعلامية مساحة أكبر للمبادرات المعرفية والتعليمية، وأن تستثمر في تدريب الصحفيين على التحقق الرقمي ومواجهة التضليل وتبسيط المعلومات، خصوصًا مع التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
المعرفة حق.. والإعلام مسؤولية
ويعيد اليوم الدولي لمحو الأمية التأكيد على أن الوصول إلى المعرفة ليس ترفًا، وإنما أحد الأسس التي تقوم عليها قدرة الإنسان على المشاركة في مجتمعه والدفاع عن حقوقه واتخاذ قراراته.
وتؤكد اليونسكو أن محو الأمية يمثل حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان وأساسًا لاكتساب المزيد من المعارف والمهارات والقيم اللازمة لبناء مجتمعات أكثر عدلًا وسلامًا واستدامة.
وفي عالم أصبحت فيه المعلومة قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، تتضاعف مسؤولية الصحافة: أن تجعل المعرفة متاحة، والحقيقة قابلة للوصول، والتحقق ممارسة يومية لدى الجمهور.
فالهدف لم يعد فقط مجتمعًا يستطيع القراءة والكتابة، بل مجتمعًا يقرأ ويفهم ويسأل ويتحقق.


















