لا تستطيع غرفة أخبار محدودة العدد إرسال صحفي محترف إلى كل حي وقرية، لكن ذلك لا يعني ترك المجتمعات المحلية خارج التغطية. تجربة الصحفي الماليزي ماران بيريانين تبيّن أن المواطنين، عندما يحصلون على التدريب والتحرير والمنصة المناسبة، يمكنهم أن يصبحوا شبكة موثوقة لاكتشاف القصص التي لا تصل عادة إلى وسائل الإعلام.
بدأ بيريانين تجربته مع برنامج للصحافة المواطنية في ماليزيا عام 2008، قبل أن يتولى إدارة البرنامج في مؤسسة «ماليزياكيني». واستمر المشروع حتى عام 2013، ونجح في تدريب أكثر من 800 شخص من خلفيات اجتماعية ومهنية ومناطق جغرافية مختلفة. بعضهم انتقل لاحقًا إلى العمل صحفيًا، فيما أصبح آخرون مسؤولين إعلاميين أو مساعدين سياسيين أو منتجين للمحتوى المجتمعي. المصدر: المركز الدولي للصحفيين
ابدأ من احتياجات المجتمع لا من الأدوات
لم يكن الهدف توزيع كاميرات أو تعليم المشاركين كيفية تصوير مقطع قصير فحسب، بل مساعدتهم على اكتشاف القضايا التي تمس مجتمعاتهم ولا تحظى باهتمام الصحافة المركزية.
المواطن المقيم في الحي يعرف الطرق المهملة، والمدارس التي تعاني نقصًا في الخدمات، والمشكلات البيئية التي تتكرر، والفئات التي لا تستطيع الوصول إلى الإعلام. هذه المعرفة المحلية هي القيمة الأساسية التي يقدمها المراسل المجتمعي.
لذلك ينبغي أن يبدأ التدريب بسؤالين: ما المعلومات التي يحتاج إليها هذا المجتمع؟ وما القصص التي لا تصل إلى غرفة الأخبار؟ بعد ذلك تأتي أدوات التصوير والكتابة والتحقق والنشر.
التدريب وحده لا يصنع صحفيًا مواطنًا
تكشف التجربة الماليزية أن التدريب الناجح يحتاج إلى مسار متكامل. فقد تعلّم المشاركون مبادئ جمع المعلومات، وإجراء المقابلات، وتصوير الفيديو، والالتزام بالدقة والإنصاف. لكن الأهم أنهم وجدوا منصة تحريرية تستقبل موادهم وتراجعها وتمنح القصص الجيدة فرصة للوصول إلى الجمهور.
المشكلة في كثير من مشروعات الصحافة المواطنية أنها تنتهي بانتهاء الورشة. يحصل المشاركون على المعرفة، ثم لا يجدون محررًا يتابعهم أو وسيلة إعلامية تنشر أعمالهم. والنتيجة أن الحماس يتراجع سريعًا.
أما النموذج الأكثر استدامة فيربط التدريب بتكليفات تحريرية حقيقية، ومواعيد للتسليم، وملاحظات من المحررين، وفرص للنشر والتطوير.
التحرير هو الفارق بين الشهادة والمنشور العابر
لا ينبغي التعامل مع الصحفي المواطن باعتباره بديلًا رخيصًا للصحفي المحترف. دوره الأساسي هو توسيع قدرة غرفة الأخبار على الاستماع إلى المجتمعات واكتشاف المصادر والقصص.
في تجربة «ماليزياكيني»، بدأ المحررون بإسناد موضوعات إلى المشاركين المتميزين، كما أُتيحت لبعضهم فرصة مرافقة صحفيين محترفين والتعلّم منهم خلال العمل الميداني. وساعد هذا الدمج على رفع جودة المحتوى وتعريف الصحفيين المحترفين بقيمة المعرفة التي يحملها أبناء المناطق المحلية.
كان المحرر مسؤولًا عن مراجعة الحقائق، والتأكد من منح الأطراف حق الرد، وتحسين البناء الصحفي، ومنع تحول المواد إلى اتهامات غير موثقة أو منشورات شخصية منحازة.
قصة محلية صغيرة قد تفرض تحركًا رسميًا
من أبرز الأمثلة التي ذكرها بيريانين قصة أعدّها صحفي مواطن يدعى جيمي ليو عن طريق سريع مهجور في ولاية بينانغ. جذبت القصة اهتمام حكومة الولاية، وتحركت الجهة المختصة بالأشغال العامة للتعامل مع المشكلة.
تكمن أهمية هذا المثال في أنه لا يبدأ من مؤتمر صحفي أو تصريح لمسؤول، بل من ملاحظة مواطن لمشكلة يعيشها الناس يوميًا. عندما خضعت الملاحظة للتوثيق والتحرير والنشر، تحولت إلى مادة صحفية دفعت مؤسسة حكومية إلى الاستجابة.
هذا النوع من القصص يعيد تعريف «الأهمية الإخبارية»: فالخبر المهم ليس دائمًا ما يقوله أصحاب السلطة، بل قد يكون ما يتغير في حياة الناس بسبب قرار أو إهمال لا يراه الصحفي البعيد.
التنوع الجغرافي والاجتماعي يوسّع خريطة الأخبار
شمل البرنامج مجموعات من السكان الأصليين في المناطق الداخلية من جزيرة بورنيو، إضافة إلى عمال مهاجرين ومشاركين من المدن والولايات الماليزية المختلفة. هذا التنوع أتاح للمنصة الوصول إلى مجتمعات يصعب على غرف الأخبار التقليدية تغطيتها باستمرار.
لكن تمثيل المجتمعات لا يتحقق بمجرد تجنيد شخص من كل منطقة؛ بل يحتاج إلى علاقة طويلة، وتدريب متكرر، وقنوات اتصال آمنة، واحترام معرفة المشاركين بسياقهم المحلي.
نموذج قابل للتطبيق داخل غرف الأخبار العربية
يمكن لأي مؤسسة إعلامية البدء بتجربة صغيرة:
- اختيار ثلاث مناطق تعاني ضعف التغطية.
- استقطاب خمسة مشاركين من كل منطقة وفق معرفتهم بالمجتمع والتزامهم.
- تقديم تدريب قصير في التحقق، والمقابلات، والتصوير، وأخلاقيات النشر.
- تعيين محرر يتابع المشاركين أسبوعيًا.
- إعداد قائمة باحتياجات السكان بدل فرض أجندة مركزية عليهم.
- نشر المواد بعد مراجعتها، مع توضيح صفة المساهمين.
- تقييم التجربة بناءً على جودة القصص واستجابة المجتمع، لا عدد المنشورات فقط.
الخلاصة
تثبت تجربة ماران بيريانين أن الصحافة المواطنية الناجحة ليست بابًا مفتوحًا لنشر أي محتوى، بل منظومة تجمع المعرفة المحلية بالتدريب والتحرير والمساءلة. وعندما تنجح غرفة الأخبار في بناء هذه المنظومة، فإنها لا تحصل على مراسلين إضافيين فحسب، بل تكتسب عيونًا وآذانًا داخل مجتمعات كانت غائبة عن خريطتها.
بيانات الإسناد
- صاحب التجربة: ماران بيريانين، مؤسس ومحرر Citizen’s Journal ومدرب صحافة فيديو ماليزي.
- إعداد الحوار الأصلي: تايلور ديبرت، كاتب لدى المركز الدولي للصحفيين.
- المصدر: International Center for Journalists – ICFJ.
- العنوان الأصلي: ICFJ Voices: Maran Perianen, Empowering Individuals Through Citizen Journalism.
- رابط المادة الأصلية
- ترجمة وتحرير: شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – مينا.


















