إعداد: أبوبكر إبراهيم أوغلو
لم تعد معركة الرواية الإسرائيلية تدور فقط عبر وسائل الإعلام والإعلانات ومنصات التواصل الاجتماعي؛ فقد امتدت إلى البيئة المعلوماتية التي تعتمد عليها أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وصياغة الإجابات والاستشهاد بالمصادر.
وتكشف إفصاحات رسمية مسجلة لدى وزارة العدل الأميركية، إلى جانب تقارير صحفية إسرائيلية وأميركية، عن مسارات مدفوعة تهدف إلى نشر محتوى رقمي مؤيد للرواية الإسرائيلية، مصاغ بطريقة تزيد احتمال ظهوره في محركات البحث وإجابات أدوات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا عند تناول حرب غزة والجيش الإسرائيلي.
موقع بواجهة مركز أبحاث
بحسب تقرير نشرته «كالكاليست/CTech»، استنادًا إلى تحقيق لـ«بوليتيكو»، تعاقدت شركة Piro عبر Havas Media ضمن حملة مرتبطة بإسرائيل، وأنشأت كيانًا يحمل اسم «Hanover Institute for Public Policy».
يقدم الموقع نفسه بصورة قريبة من مراكز الأبحاث، لكنه ينشر مواد غير موقعة في الغالب، وتأتي عناوين بعض مقالاته بصيغة أسئلة شائعة تشبه تلك التي يطرحها المستخدمون على أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل الأسئلة المتعلقة بعمليات الجيش الإسرائيلي، والمساعدات الإنسانية، والمسؤولية عن الأوضاع في غزة.
وبلغت ميزانية هذا المسار المحدد نحو 100 ألف دولار، وفق الإفصاحات المسجلة في قاعدة قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأميركية «FARA». ويجب التمييز بين هذه الميزانية وبين حملات إسرائيلية رقمية أوسع بلغت تكلفتها ملايين الدولارات.
المصدر الأولي هنا هو سجل شركة Piro في قاعدة وزارة العدل الأميركية، بينما قدمت كالكاليست/CTech تغطية صحفية مستقلة باللغة الإنجليزية، ونشرت هيئة البث الإسرائيلية «كان» متابعة باللغة العبرية.
كيف يمكن التأثير في إجابات الذكاء الاصطناعي؟
لا توجد أدلة على أن إسرائيل دخلت إلى أنظمة ChatGPT أو عدّلت النماذج أو شاركت مباشرة في تدريبها. الآلية الأقرب هي التأثير في طبقة المصادر المفتوحة على الإنترنت التي قد تسترجعها أدوات الذكاء الاصطناعي وتستشهد بها.
تقوم الفكرة على إنتاج عدد كبير من الصفحات المحسنة لمحركات البحث، واستخدام عناوين وصياغات تتوافق مع أسئلة المستخدمين، ثم محاولة رفع ترتيبها وحضورها الرقمي. وعندما تستخدم منصة ذكاء اصطناعي خاصية البحث أو الاسترجاع من الإنترنت، قد تتعامل مع هذه الصفحات باعتبارها مصادر متاحة، ما لم تكشف خلفيتها التمويلية.
لذلك، فإن وصف العملية بأنها «تدريب ChatGPT» غير دقيق. التعبير الأنسب هو: «التأثير في مصادر الاسترجاع والاستشهاد داخل إجابات الذكاء الاصطناعي».
مسار أكبر من حملة واحدة
تنسجم قضية Piro وHanover مع عقد أوسع مسجل في قاعدة FARA بين شركة Clock Tower X وHavas Media Germany، التي كانت تعمل لمصلحة دولة إسرائيل.
ينص العقد الأولي المسجل لدى وزارة العدل الأميركية على ميزانية أولية تبلغ 1.5 مليون دولار شهريًا لمدة أربعة أشهر، وإنتاج مئة مادة إبداعية أساسية وخمسة آلاف نسخة مشتقة شهريًا، مع توجيه 80% من المحتوى إلى جيل الشباب، واستهداف خمسين مليون مشاهدة شهريًا.
كما يتضمن العقد إنشاء عشرين صفحة محسّنة لمحركات البحث كل شهر، ونشر مواقع ومحتوى بهدف تحقيق ما وصفه النص الإنجليزي بـ«GPT framing results»، أي دفع المحادثات التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي نحو أطر سردية محددة.
هذه الوثيقة تؤكد وجود هدف معلن للتأثير في البيئة التي تعمل داخلها أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تثبت وحدها أن الحملة نجحت في تغيير مخرجات المنصات بصورة واسعة أو دائمة.
هل نجحت الحملة؟
ذكرت «كالكاليست»، نقلًا عن تحقيق «بوليتيكو»، أن اختبارات محدودة أظهرت استشهاد ChatGPT وPerplexity ببعض مواد Hanover Institute. لكن هذه الاختبارات لا تمثل دراسة علمية مستقلة، ولا تحدد حجم التأثير أو استمراره أو اختلافه بين المستخدمين واللغات.
وفي المقابل، لم تتمكن اختبارات صحفية أميركية سابقة من استدراج بعض أدوات الذكاء الاصطناعي للاستشهاد بمواقع مرتبطة بمسار Clock Tower. كما تحدثت أطراف مرتبطة بالحملات عن تحقيق نجاحات، من دون نشر بيانات كافية تسمح بالتحقق المستقل منها.
بناءً على ذلك، فإن الثقة مرتفعة في وجود العقود والحملات وأهدافها المعلنة، لكنها متوسطة في تقدير تأثيرها الفعلي داخل إجابات النماذج.
لماذا يهم ذلك غرف الأخبار العربية؟
تكمن الخطورة في أن الصحفي قد يتعامل مع موقع يحمل اسم «معهد» أو «مركز سياسات» باعتباره مصدرًا بحثيًا مستقلًا، بينما يكون جزءًا من حملة علاقات عامة ممولة حكوميًا.
كما قد تنقل الترجمة العربية الأطر السياسية للمادة الأصلية من دون قصد، خصوصًا عند الاعتماد على ملخصات الذكاء الاصطناعي بدل الرجوع إلى الوثيقة الأولية. وقد تظهر عدة مواقع متشابهة باعتبارها مصادر متعددة، رغم أنها تنتمي إلى شبكة تعاقدية أو تمويلية واحدة.
لذلك، ينبغي على غرف الأخبار:
- فحص صفحة التعريف بالموقع وملكيته ومموله وأسماء كتّابه.
- البحث عن اسم الجهة في قواعد الإفصاح مثل FARA.
- فتح الروابط التي يقدمها الذكاء الاصطناعي وعدم الاكتفاء بالملخص.
- مقارنة الادعاء بمصدر رسمي ومصدر صحفي مستقل.
- التعامل بحذر مع المواد غير الموقعة والمواقع حديثة الإنشاء.
- توثيق اللغة الأصلية للمعلومة وتاريخ نشرها وتحديثها.
- عدم اعتبار وجود استشهاد داخل إجابة آلية دليلًا على استقلال المصدر.
مخزون المصادر
تكشف القضية انتقال عمليات التأثير من استهداف الجمهور مباشرة إلى محاولة تشكيل «مخزون المصادر» الذي تعتمد عليه محركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي. والمثبت حتى الآن هو وجود حملات وعقود وميزانيات تستهدف هذا المجال، أما حجم نجاحها في تغيير الإجابات فما يزال غير محسوم علميًا.
بالنسبة للصحافة العربية، لا تعني القضية مقاطعة أدوات الذكاء الاصطناعي، بل تطوير منهج أكثر صرامة لفحص المصادر التي تقترحها هذه الأدوات. فالخطر ليس أن تخترع المنصة معلومة فقط، وإنما أن تستشهد بمادة حقيقية صُممت أصلًا لتبدو مستقلة ومحايدة، بينما تقف خلفها حملة تأثير ممولة ومنظمة.


















