المدونة – شبكة مينا
لا يبتعد بعض القراء عن الأخبار لأنهم لا يهتمون بما يجري، بل لأن المتابعة المستمرة للأزمات والحروب والفساد والكوارث تولّد لديهم شعورًا بالعجز والإرهاق. هذه الظاهرة، التي تعرف بالعزوف الانتقائي عن الأخبار، تدفع مؤسسات إعلامية إلى إعادة النظر في المزيج الذي تقدمه للجمهور.
تستعرض الكاتبة لوسيندا جوردان تجارب من جنوب أفريقيا وكندا والفلبين ودول أخرى، وتوضح أن مواجهة العزوف لا تعني إخفاء الأخبار الصعبة أو تحويل الصحافة إلى منصة للعلاقات العامة. المطلوب هو تقديم صورة أكثر اكتمالًا للمجتمع: ما الذي تعطل؟ ومن يحاول إصلاحه؟ وما الحلول التي حققت نتائج يمكن التحقق منها؟
الأخبار الإيجابية ليست أخبارًا تجميلية
المشكلة في تعبير «الأخبار الجيدة» أنه قد يوحي بمحتوى خفيف يتجنب المساءلة. لكن النموذج المهني يقوم على المعايير الصحفية نفسها: التحقق، والاستقلال، ووضع الادعاءات في سياقها، والابتعاد عن المبالغة.
القصة البناءة لا تكتفي بإعلان نجاح مبادرة؛ بل تسأل كيف نجحت، وما الأدلة، ومن استفاد، وما حدود التجربة، وهل يمكن تكرارها في مكان آخر. كما لا تتجاهل أصحاب المصلحة الذين لم يستفيدوا منها.
بهذا المعنى، لا تصبح الصحافة أقل نقدًا، وإنما تتسع زاوية التغطية لتشمل الاستجابة للمشكلة إلى جانب وصفها.
اجعل المهمة جزءًا من غرفة الأخبار
في ديسمبر/كانون الأول 2024 عيّنت مؤسسة News24 في جنوب أفريقيا أول محرر مختص بالأخبار الجيدة، هو بول هيرمان. كانت مهمته البحث عن قصص استثنائية لجنوب أفريقيين لا تصل عادة إلى العناوين، في بلد تطغى على صورته الإعلامية قصص الخلل والأزمات.
تحولت المبادرة من مشروع خاص يقع على هامش العمل التحريري إلى عنصر أساسي في المنتج. وفي الأول من أبريل/نيسان 2025 خصصت المؤسسة «يوم الأخبار الجيدة» بدل الانشغال بمقالب كذبة أبريل المعتادة.
تُظهر التجربة أن إعلان الرغبة في نشر محتوى بنّاء لا يكفي. يجب تحديد شخص مسؤول، ووقت للتحرير، ومعايير للاختيار، ومكان ثابت للمادة داخل المنتج. ما يبقى مهمة تطوعية إضافية سيتراجع عادة عند أول ضغط إخباري.
أعد تعريف التخصصات القديمة
اتبعت صحيفة The Globe and Mail الكندية مسارًا أوسع. أعادت توزيع موارد، واستحدثت وظائف، وعيّنت قيادة عليا للمبادرة، وأنشأت فريقًا صحيًا يضم خمسة صحفيين يغطون جوانب مختلفة من الحياة والصحة.
كما أعادت تصور بعض التخصصات الصحفية تحت عناوين مثل «السعادة» و«الوقت». كان المقصود تغيير السؤال التحريري، لا طلاء الأخبار بلغة متفائلة. فالصحفي الذي غطى مشكلات الصحة النفسية لسنوات يستطيع أيضًا البحث في العوامل التي تساعد الناس على التعافي، والسياسات التي أثبتت فعاليتها، والأساليب التي تخفف الضغوط اليومية.
اختُبرت هذه الأدوار لمدة عام، لكن المؤسسة لاحظت مبكرًا أثرًا في ثقافة غرفة الأخبار واستجابة القراء. تغيير اسم التخصص يمكن أن يغيّر نوع الأسئلة والمصادر والأفكار التي تصل إلى اجتماع التحرير.
لا تدفن المادة التي يريدها الجمهور
اكتشفت الصحيفة الكندية أنها تنتج بالفعل كثيرًا من المحتوى المرتبط بالحياة اليومية، لكنها لا تعرضه بوضوح للقراء. لذلك وضعت هذه المواد داخل المنتج الأساسي وقدمتها تحت هوية مرنة أصبحت لاحقًا «Living Better».
وشملت التغييرات قواعد التنبيهات، وتصميم الصفحات والنشرات، وتعيين محرر بصري يساعد على تقديم القصص في صيغ متعددة. الفكرة الأساسية أن اختيار القصة وحده لا يكفي؛ فالعنوان، والصورة، وموقع المادة في الصفحة، وتوقيت التنبيه كلها تحدد ما إذا كان القارئ سيجدها أصلًا.
لا ينبغي أن تحمل التنبيهات طوال اليوم نبرة إنذار واحدة. يمكن اعتبارها محادثة مستمرة مع الجمهور تتناوب فيها الأخبار العاجلة مع الشرح والخدمة والقصص التي تمنح القارئ قدرة على التصرف.
ابدأ من احتياجات المستخدم
يساعد نموذج احتياجات الجمهور غرف الأخبار على تجاوز التقسيم التقليدي بين سياسة واقتصاد ورياضة. قد يأتي القارئ إلى الصحافة كي يعرف المستجدات، أو يفهم حدثًا معقدًا، أو يحصل على مساعدة عملية، أو يرى وجهات نظر مختلفة، أو يستلهم تجربة ناجحة.
إضافة حاجة «ألهمني» لا تلغي حاجة «أبقني على اطلاع». إنها تمنع المنتج من الاعتماد الكامل على الأخبار التي تثير القلق. ويمكن تنفيذ ذلك عبر قسم دائم، أو نشرة أسبوعية، أو بودكاست، أو مقاطع قصيرة، بحسب عادات الجمهور وموارد المؤسسة.
قِس الأثر ولا تكتفِ بالانطباع
أظهرت التجارب المذكورة تحسنًا في الزيارات، ووقت القراءة، والتفاعل، وفتح التنبيهات، وعدد المستخدمين الفريدين، إلى جانب ردود فعل إيجابية من القراء.
لكن كل مؤسسة تحتاج إلى اختبارها الخاص. يمكن إطلاق تجربة لمدة ثمانية أسابيع، ونشر عدد محدد من المواد البناءة، ثم مقارنة معدل الإكمال والاشتراك والعودة للموقع والحفظ والمشاركة بمواد أخرى مماثلة.
ومن المفيد مراقبة تنوع الموضوعات والمناطق والمصادر، حتى لا تتحول الأخبار الإيجابية إلى قصص فردية عاطفية فقط، أو إلى تغطية تفضّل الفئات القادرة على الوصول إلى الإعلام.
خلاصة قابلة للتطبيق
يمكن لغرفة أخبار صغيرة البدء باجتماع أسبوعي قصير يسأل فيه المحررون: ما القصة المهمة التي غطينا المشكلة فيها ولم نغط الاستجابة؟ ثم يختارون قصة واحدة، ويطبقون عليها معايير التحقق والاستقلال والشفافية، ويقدمونها في مكان واضح داخل الموقع والنشرة والمنصات.
مواجهة عزوف الجمهور لا تتطلب إخفاء الواقع القاسي. إنها تتطلب الاعتراف بأن الواقع يضم أيضًا أشخاصًا يعملون، وحلولًا تختبر، ومؤسسات تتغير ونتائج يمكن قياسها. عندما تقدم الصحافة هذه الصورة الكاملة، فإنها تساعد الجمهور على الفهم والعمل بدل تركه عالقًا في الشعور بالعجز.
بيانات الإسناد
- الكاتبة الأصلية: لوسيندا جوردان، كاتبة المقال لدى WAN-IFRA.
- المصدر: WAN-IFRA – المنتدى العالمي للمحررين.
- تاريخ النشر الأصلي: 16 أبريل/نيسان 2025.
- العنوان الأصلي: How newsrooms are countering news avoidance by offering uplifting content to break negative news cycles
- رابط المقال الأصلي
- ترجمة وتحرير: شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – مينا.



















